أبي حيان الأندلسي
122
تفسير البحر المحيط
نون * ( لَكِنِ ) * في نون أنا بعد حذف الهمزة قول القائل : * وترمينني بالطرف أي أنت مذنب * وتقلينني لكن إياك لا أقلي * أي لكن أنا لا أقليك انتهى . ولا يتعين ما قاله في البيت لجواز أن يكون التقدير لكنني فحذف اسم لكن وذكروا أن حذفه فصيح إذا دل عليه الكلام ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر : * فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي * ولكن زنجي عظيم المشافر * أي ولكنك زنجي ، وأجاز أبو علي أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في خرجنا وضربنا ووقع الإدغام لاجتماع المثلين ثم وحد في * ( رَبّى ) * على المعنى ، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا انتهى . وهو تأويل بعيد . وقال ابن عطية : ويتوجه في لكنا أن تكون المشهورة من أخوات إن المعنى لكن قولي * ( هُوَ اللَّهُ رَبّى ) * إلاّ أني لا أعرف من يقرأ بها وصلاً ووقفاً انتهى . وذكر أبو القاسم يوسف بن عليّ ابن جبارة الهذلي في كتاب الكامل في القراءات من تأليفه ما نصه : يحذفها في الحالين يعني الألف في الحالين يعني الوصل والوقف حمصي وابن عتبة وقتيبة غير الثقفي ، ويونس عن أبي عمر ويعني بحمصي ابن أبي عبلة وأبا حيوة وأبا بحرية . قرأ أبيّ والحسن * ( لَكِنِ ) * أنا * ( هُوَ اللَّهُ ) * على الانفصال ، وفكه من الإدغام وتحقيق الهمز ، وحكاها ابن عطية عن ابن مسعود . وقرأ عيسى الثقفي * ( لَّكِنَّ هُوَ اللَّهُ ) * بغير أنا ، وحكاها ابن خالويه عن ابن مسعود ، وحكاها الأهوازي عن الحسن . فأما من أثبت * ( هُوَ ) * فإنه ضمير الأمر والشأن ، وثم قول محذوف أي * ( لَكِنِ ) * أنا أقول * ( هُوَ اللَّهُ رَبّى ) * ويجوز أن يعود على الذي * ( خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ) * ، أي أما أقول : * ( هُوَ ) * أي خالقك * ( اللَّهُ رَبّى ) * و * ( رَبّى ) * نعت أو عطف بيان أو بدل ، ويجوز أن لا يقدر . أقول محذوفة فيكون أنا مبتدأ ، و * ( هُوَ ) * ضمير الشأن مبتدأ ثان و * ( اللَّهِ ) * مبتدأ ثالث ، و * ( رَبّى ) * خبره والثالث خبر عن الثاني ، والثاني وخبره خبر عن أنا ، والعائد عليه هو الياء في * ( رَبّى ) * ، وصار التركيب نظير هند هو زيد ضاربها . وعلى رواية هارون يجوز أن يكون هو توكيد الضمير النصب في لكنه العائد على الذي خلقك ، ويجوز أن يكون فصلاً لوقوعه بين معرفين ، ولا يجوز أن يكون ضمير شأن لأنه لا عائد على اسم لكن من الجملة الواقعة خبراً . وفي قوله و * ( لا * أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ) * تعريض بإشراك صاحبه وأنه مخالفه في ذلك ، وقد صرح بذلك صاحبه في قوله يا ليتني لم أشرك بربي أحداً . وقيل : أراد بذلك أنه لا يرى الغنى والفقر إلاّ منه تعالى ، يفقر من يشاء ويغني من يشاء . وقيل : لا أعجز قدرته على الإعادة ، فأسَّوي بينه وبين غيره فيكون إشراكاً كما فعلت أنت . ولما وبخ المؤمن الكافر أورد له ما ينصحه فحضه على أن كان يقول إذا دخل جنته * ( مَا شَاء اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ) * أي الأشياء مقذوفة بمشيئة الله إن شاء أفقر ، وإن شاء أغنى ، وإن شاء نصر ، وإن شاء خذل . ويحتمل أن تكون ما شرطية منصوبة بشاء ، والجواب محذوف أي أي شيء شاء الله كان ، ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي موفوعة على الابتداء ، أي الذي شاءه الله كائن ، أو على الخبر أي الأمر ما شاء الله * ( وَلَوْلاَ ) * تحضيضية ، وفصل بين الفعل وبينها بالظرف وهو معمول لقوله * ( قُلْتَ ) * . ثم نصحه بالتبرىء من القوة فيما يحاوله ويعانيه وأن يجعل القوة لله تعالى . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال لأبي هريرة : ( ألا أدلك على كلمة من